أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري
58
تهذيب اللغة
شبه : قال الليث : الشَّبَه : ضَربٌ من النُّحاس يُلقَى عليه دواءٌ فيصفرّ ، وسُمِّي بالشَّبَه لأنه شُبِّه بالذَّهَب . وتقول : في فلانٍ شَبَهٌ من فلان ، وهو شَبَهُه وشِبْههُ وشَبِيهه . وقال العجّاج يصف رَمْلًا : وشَبَهٌ أَمَيلُ مَيْلانيُّ * ويقال : شبَّهتُ هذا بهذا ، وأشْبَه فلانٌ فلاناً . وقال اللَّه جلّ وعزّ : مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ [ آل عِمرَان : 7 ] . قيل : معناه يُشبه بعضُها بعضاً . قلت : وقد اختلف المفسِّرون في تفسير قوله : وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ؛ فرُوي عن ابن عبّاس أنه قال : المتشابهات « ألم » * و « الر » * وما اشتبه على اليَهود من هذه ونحوِها . قلت : وهذا لو كان صحيحاً عن ابن عباس كان التفسير مسلّماً له ، ولكنّ أهلَ المعرفة بالأخبار وَهَّنوا إسناده ، وقد كان الفرّاء يذهب إلى ما رُوِي عن ابن عبّاس في هذا ورُوِي عن الضحّاك أنه قال : المُحْكَمات : ما لم يُنسَخ ، والمتشابِهات : ما قد نُسخ . وقال غيره : المُتشابِهات هي الآيات التي نَزلتْ في ذِكر القيامة والبَعْث ، ضَرْبَ قوله : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ . [ سبأ : 7 ، 8 ] . وضَرْبَ قوله : وَقالُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ( 15 ) أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ( 16 ) أَ وَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ [ الصافات : 15 - 17 ] فهذا الذي تَشابَه عليهم فأَعلمهم اللَّه جلّ وعزّ الوجهَ الذي ينبغي أن يستدلّوا به على أنّ هذا المُتشابه عليهم كالظاهر لو تدبَّروه ، فقال : وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ( 78 ) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ إلى قوله : أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ [ يّس : 78 - 81 ] ، أي إذا كنتم قد أقررتم بالإنشاء والابتداء فما تُنكرون من البَعْث والنُّشور ؟ وهذا قولُ كثيرٍ من أهل العلم ، وهو بيِّن واضح ، وممّا يدلّ على هذا القول قولُه جلّ وعزّ : فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ [ آل عمران : 7 ] ، أي أنهم طلبوا تأويل بَعْثِهم وإحيائهم ، فأعلم اللّه أنَّ تأْويلَ ذلك ووقتَه لا يَعلمُه إلّا اللّه جلّ وعزّ . والدَّليل على ذلك قوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ [ الأعرَاف : 53 ] يريد قيامَ الساعة وما وُعدوا من البَعْث والنُّشور وهذا قولُ كثير من أهل العلم واللَّه أعلم . وأمَّا قولُه عزّ وجلّ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً [ البَقَرَة : 25 ] فإن أهل اللغة قالوا : معنى قوله : مُتَشابِهاً يُشْبِه بعضُه بعضاً في الجودِة والحُسْن . وقال المفسِّرون : مُتَشابِهاً يُشْبه بعضُه بعضاً في الصُّورة ، ويختلف في الطعم ، ودليل المفسِّرين قوله جلّ وعزّ : هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ [ البَقَرَة : 25 ] لأنّ صُورته الصُّورة الأولى ، ولكنَّ اختلافَ الطُّعوم مع اتِّفاق الصُّورة أَبلَغ وأَغْرب عند الخلق ، لو رأيْتَ تُفَّاحاً فيه طَعم كلِّ الفاكهة لكان نهايةً في العجب .